|
|||
|
الصمت قد يكون أحياناً أبلغ من كل الكلام.. وحال عبد المجيد حجازي هو كذلك.. صامت وعينان غائرتان في وجه تستطيع أن تلمح بين قسماته أطفالاً يلهون حول والد مسجى.. لقد فقد أسرته كلّها في لحظة لن تكون عابرة في حياته، كما تلك الطائرة التي لم يُكتب لها عبور فضاء المحيط. يجلس عبد المجيد في لباس الحداد موجهاً نظره إلى سقف البيت، حتى لا تقع عيناه على صور مريم وريم وعباس وأمهم إيمان.. الصور اجتاحت المكان وأخذت كل مساحة في الجدران، وإلى جانبه خمس صور رُتب بعضها فوق بعض، وإلى الجانب الآخر مثلها، ووسط الحائط في صدر الصالة صورة حديثة تجمع في ألوانها الحزينة الوالدة والأطفال الثلاثة. كيف لهذا الرجل أن يطيق العيش؟ كيف له أن يأكل ويشرب؟ تتبادر الأسئلة متسارعة إلى ذهنك وأنت تنظر إليه، ثم لا تلبث أن تسقط كل الأسئلة أمام هالة الحزن التي لبسها الرجل منذ تلك اللحظة التي أوصل فيها أسرته إلى مطار كونكري، ليأتيه بعد ساعات قليلة الخبر. لم يكن يظن هذا المهاجر إلى القارة السمراء أن القدر قد خبأ له كل هذه المأساة، وأن رغد العيش الذي حلم به سيتحول إلى كابوس يقضي على كل آماله. في العام 1993 سافر حجازي إلى كونكري ليعمل موظفاً لدى المجموعة التجارية التي يملكها اللبناني علي سعادة. بعد أن كان موظفاً في أحد المصارف اللبنانية، عرض العمل كمراقب حسابات لكامل المجموعة كان مناسباً له، وأمل منه أن ينقله إلى حياة أفضل طالما طمح إليها. في العام 1995 عاد حجازي إلى لبنان وتزوج من ابنة بلدته إيمان عمار التي انتقلت للعيش معه في كونكري، ورُزقا هناك ثلاثة أطفال. يقول حجازي: "لقد كان العيش في أفريقيا أمراً مفروغاً منه، فأنا لم أعد موظفاً عادياً في المجموعة، لقد أصبحت المسؤول الرئيسي الذي يُعتمد عليه.. هذا فضلاً عن أن زوجتي قد عاشت سنوات طويلة في أبيدجان، وخبرت العيش هناك، فلم تكن لتمانع.. كما اننا كنا نعيش وسط حي كله لبنانيون". لم يكن حجازي قد اعتاد إرسال عائلته إلى لبنان في فصل الشتاء، "لأن الأولاد عندهم مدرسة، ولكننا كنا ننوي التوجه لأداء فريضة الحج، فارتأينا أن نتركهم لدى الأهل في لبنان ريثما نعود من الديار المقدسة". ويضيف: "كانوا فرحين جداً لأنهم يأتون إلى لبنان لأول مرة في فصل الشتاء، كانوا مشتاقين لتحسس البرد ورؤية الثلوج.. كما ان أمهم كانت سعيدة لزيارة الأهل وأداء المناسك". يعتبر حجازي أن تسيير خط الـUTA إلى بيروت سهّل علينا السفر، وأذكر أن اللبنانيين هنأ بعضهم بعضاً بذلك، وكان كلما سافر أحدهم عاد ليتحدث عن تحسن مستمر للخدمات، فكان الأمر مشجعاً.. هذا إضافة إلى أن اللبنانيين يحبون السفر معاً". يوم الحادثة المشؤومة قام حجازي بإيصال عائلته إلى المطار وودعهم وعاد إلى عمله، ليتلقى بعد ساعات اتصال من جاره يطلب إليه الحضور لأنه يواجه مشكلة. يقول: "أتيت إليه على وجه السرعة، وفي حساباتي أنه يعاني من مشكلة في المنزل أو أي أمر آخر، وجدته ينتظرني أمام البيت، فدعاني إلى مرافقته، ولكن كان يبدو عليه الوجوم.. ذهبت معه وأنا أرجوه أن يخبرني بمشكلته، إلى أن قال لي الخبر". اغرورقت عينا عبد المجيد بالدموع، وكأن الكلمات لا تقوى على الخروج من حنجرته.. لحظات من الصمت تخيم على الحاضرين، ليقول بعدها إنه كابوس لا يُصدق، لا يمكن أن يغيبوا عن عيني، أراهم أمامي، في الشارع أو في السيارة، وفي أذني أسمع أسئلتهم.. ولكن إذا أجبت فمن يسمعني!.. انتقل حجازي من كونكري إلى كوتونو على أول طائرة، وهناك وجد في برادات المستشفيات جثامين زوجته وطفلتيه مريم وريم، بينما عباس بقي مفقوداً. يقول: "لم أكن متحمساً للعودة إلى لبنان قبل أن أعرف مصيره، لكن الإخوة هناك كانوا متحمسين جداً للبحث عنه، مع أن الأمل ضعيف جداً". ويبدو حجازي غير متحمس للتحقيق ولما سيؤول إليه، لأن الحقد لا يجدي، وما فقده لا يُعوّض.. لكنه يستدرك ويقول: "كل شخص مخطئ يجب أن ينال عقابه حسب الشرع والقانون، والله يقول: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب". وفي حسابات حجازي أن "المسؤول الحقيقي عن المآسي التي تحل باللبنانيين هو الحرمان الذي دفعهم لهجرة بلدهم وتحمل ويلات الغربة، هذا عدا الحرمان الذي لحق بهم إلى دول الاغتراب، لا سيما في غرب أفريقيا". عبد المجيد حجازي الذي لا تبارحه صورة أولاده، أقام لولده عباس ضريحاً رمزياً إلى جوار والدته وشقيقتيه، ليبقى له من هذه الدنيا هذه الضرائح وذكرى لا تبارحه أبداً، وكلمة مأثورة عن رسول الله (ص) ستبقى تلازمه: "..إنّا لفقدكم لمحزونون". أمير قانصوه |