"جثث" الإنماء ورميم البنى التحتية
الليلكي: حزام بؤس متجدد وآذان صماء


يختلط عليك المشهد، وأنت تجول في أحياء وشوارع منطقة الليلكي... وربما يصدمك المشهد، ما إن تتراءى أمام ناظريك بقايا "جثث" السيارات المهترئة أو تلك الصدئة تعلو جوانب مدخلها على هيئة "تلال" أو هضاب فتحجب عنك رؤية واقع مرير يعيشه سكان هذه المحلة الذين ازدادوا مع الوقت بفعل الضائقة الاقتصادية  ليزيدوا على خمسة عشر ألف نسمة في مساحة جغرافية لا تتعدى خمسة آلاف متر مربع.

 بدا واضحاً أن حضور الدولة الخدماتي والإنمائي في هذه المنطقة القريبة من عاصمة لبنان خجول جداً إن لم نقل إنه معدوم.. الطرقات الضيقة والمحفورة التي تقود إلى "الشوارع" والأحياء الداخلية تفرض على السالكين نوعاً من المجازفة، بالإضافة إلى قدرة بارعة على المراوغة والمناورة لتجاوز الحفر المنتشرة على طول الطريق. ما إن قطعنا بضعة أمتار عند مدخل الليلكي حتى سقطنا في إحدى الحفر بعد محاولات عدة لاجتنابها، إلا أن ضيق الشارع الذي غدا ممراً إلزامياً أجبرنا على السقوط، فتضرر أحد إطارات السيارة التي تقلّنا .. نكمل سيرنا باتجاه ساحة المحلة، لكن لا حركة غير حركة لسمّان ستيني يرتب بعض أدواته الخاصة، وبدت عليه علامات التعب والإرهاق فانصرفنا عنه.   

في المقلب الآخر من المكان، علت أصوات غير مفهومة، نقترب بدافع الفضول، وإذ ببضعة عمال وفنيين من مؤسسة كهرباء لبنان وصلوا للتوّ يتلاسنون مع عدد من الأهالي على خلفية انقطاع التيار الكهربائي عن المحلة ما يقارب الأسبوع دونما أي اهتمام من جانب المؤسسة التي بلغها من المراجعات ما يقرب المئة!! .. الفنيون حاولوا تبرير تقصير مؤسستهم ولكن دون جدوى، فالأهالي مقتنعون بالتقصير والإهمال المتعمد، وخصوصاً أن هناك شواهد كثيرة عليه. يحتدم التلاسن بين مواطن أربعيني وأحد الفنيين داخل "غرفة الكهرباء" فتنطلق شكوى المواطن صارخة: "تأتون هنا لتحرير محاضر ضبط بالمواطنين، أما أن تأتوا لاصلاح الكهرباء فهذا ممنوع عليكم؟" وتبين أن أحمد زعيتر وشقيقه كان قد حرر بحقهما قبل أيام قليلة محضران بقيمة مليونين ونصف المليون ليرة لبنانية بسبب تركيبهما "دجنتير" جديد، كانت المؤسسة طلبت منهما تركيبه!! .. يتدخل هنا أبو حسن بصفته جار زعيتر: "الشعب هَون معتر، لا ماء ولا كهرباء ولا طرقات. والله الموت أشرف من هالعيشي... سمعت بحياتك ماء المجارير مخلوطة بماء الشرب؟".

وفي لحظة الانفعال الممزوج باليأس يقودنا أبو حسن إلى  قسطل مياه الشفة المكسور منذ أربع سنوات والذي بدا فيه واضحاً تداخل مياه الشفة بمياه الصرف الصحي. ويقول "على الرغم من المراجعات العديدة مع المسوؤلين، هذا هو الوضع كما ترى ... لا حياة لمن تنادي!".

مشهد آخر لا يقل إيلاماً عن المشهد السابق في مكان ليس ببعيد، وهو تلك "العبّارة" التي تمر بمحاذاة الطريق الرئيسي ووسطها، إذ تغدو هذه العبّارة مع قدوم فصل الشتاء مصيدة للسيارات والمارة على حد سواء، وخصوصاً أنها تمتلئ بالمياه الآسنة الآتية من منطقة الحدث، دون أن تجد مسرباً لها نتيجة تراكم النفايات العالقة فيها. الأهالي الذين رفعوا العديد من الشكاوى للمعنيين لم تلقَ مراجعاتهم آذاناً صاغية، وباتت معاناتهم تأخذ منحى ساخراً عندما يقولون "ان منطقة الليلكي تصلح لأن تكون في فصل الشتاء مرفأ للزوارق!"

وعلى مقربة من "العّبارة " تقبض "أم أحمد" على رزمة من "أكياس الشمع" ابتاعتها من أحد المحال المجاورة لمنزلها. تضحك ما ان نقترب منها لمعرفتها بأننا صحافيون فتقول: "أكتب ما شئت... ما في شي منيح بهذا الحي .. صار لنا عشرة أيام من دون كهرباء. اتصلت بالشركة مرتين، وفي المرة الثانية أقفل الخط في وجهي؟"، وتشير بيدها إلى الطريق وتقول: "هذه شوارع .. الظاهر أن المنطقة مش موجودة على الخارطة".

في الشارع الذي يشبه أي شيء إلا اسمه "يعاين" طلال حجولة "أطلال" العبّارة التي تمر بمحاذاة محله (حدادة وبويا سيارات) ويبادر في الحديث عن معاناة المنطقة، ويبدأ من تعاون سكان المنطقة في ظل غياب أي اهتمام من جانب بلدية الحدث التي تقع منطقة الليلكي ضمن حدودها الادارية. ويقول "لقد حفرنا قناة لجر مياه الأمطار والمياه الآسنة حتى العبّارة للحؤول دون تجمع المياه، ومن ثم فيضانها على المنازل والمحال المجاورة، إلا أن ذلك لم يحلّ مشكلة".

في محل محمد الحسيني للسّمانة يتدلى الشمع على جوانب الطاولة المركونة في الوسط، وما يلفت الانتباه أن الشموع مضاءة في النهار لأن المحل "معتّم" في الأصل والكهرباء مقطوعة. الحسيني كان سبق أن أتلف بعض السلع الموجودة في محله، وهو قدّم لنا ما يكفي من الأدلة على تلف بعض السلع من أجبان وألبان بسبب انقطاع التيار الكهربائي طيلة أسبوع.

 

حرمان مطبق

ويعرض رئيس اللجنة الشعبية لمنطقة الليلكي محمد زين الدين للشريط المزمن من الحرمان الذي يُطبق على منطقة الليلكي منذ العام 1964 فيقول "نتيجة الإهمال الموروث من الجهات الرسمية وفي مقدمها بلدية الحدث، اضطررنا إلى تشكيل لجنة شعبية لمتابعة قضايانا الانمائية والصحية بالتعاون مع فعاليات المنطفة والجوار، ولولا ذلك لكان وضعنا أكثر مأساوية مما هو عليه اليوم". ويؤكد أن بعض الحقوق التي "حصّلتها" المنطقة إنما هو نتيجة ضغط ومتابعة واعتصامات من حين لآخر، وآخرها قبل أيام قليلة حيث دعونا وسائل الإعلام للوقوف على الحرمان التي تعاني المنطقة منه لا سيما في ما يتعلق بالتيار الكهربائي. ويتساءل: "هل نحن نعيش في مجاهل افريقيا، أم أننا خارج هذا الكوكب". ويتابع: "تصوّر أن النفايات تملأ شوارعنا، والمياه نوفرها عن طريق الآبار الارتوازية. الطرقات غير معبّدة، وهي إن وجدت تكون مرقعة. التيار الكهربائي لا يكفي حاجة المنطقة نظراً لضعف قوة المحطتين  الموجودتين في المحلة، وإذا ما أثرنا مشكلتنا أمام المسؤولين، تجد كل واحد منهم يرمي المسؤولية على الآخر". لكن ما السبب؟ يجيب زين الدين "نحن للأسف لسنا جهة ناخبة في منطقة الحدث، وبالتالي أي تقديمات إنمائية لنا لا تدخل في الحسابات الانتخابية للبلدية... هذا ما لمسناه طيلة السنوات الماضية".

حسين عواد