خمس اجتياحات متلاحقة بنكهة الموت
مخيم بلاطة الرقم الصعب في معادلة الاحتلال

 


نائلة خليل  

بصرح للشهداء يستقبلك مخيم بلاطة المخيم الأكبر والأشد ازدحاما في مخيمات الضفة الغربية في فلسطين، سكان المخيم نصبوا الصرح في محاذاة الشارع الرئيسي بحيث لا يمكن تجاوزه بالنظر أو حتى بالذاكرة.

نحو سبعين شهيدا ومئات الجرحى سقطوا من سكان المخيم البالغ عددهم (20 ألف نسمة) في انتفاضة الأقصى، واجتياحه في شباط 2002 كان أول اجتياح حقيقي للمدن الفلسطينية، فبعد أربعين يوما من حصار المخيم وعدم تمكن قوات الاحتلال من التوغل فيه لشدة المقاومة التي زرعت مداخل المخيم بالعبوات المتفجرة، تدخل الطيران الصهيوني ليحسم الأمر ويدخل قوات الاحتلال تحت حمايته بعد سقوط نحو عشرة شهداء وعشرات الجرحى.

وما بين الإجتياح الأول الذي أطلق عليه في حينه "حقل الأشواك" وآخر اجتياح ويحمل الرقم الخامس، والذي أثقل المخيم منذ نحو أسبوع وكان عنوانه "مياه راكدة"، هناك مئات القصص والتفاصيل الانسانية المؤلمة التي من المستحيل أن يتعايش معها غير الفلسطيني.

فصور الشهداء تملأ المكان، هم الحاضرون وإن غابت أجسادهم عن شوارع المخيم، والمواجهات المرتقبة دوما مع قوات الاحتلال، الصور على جدران البيوت الصغيرة الضيقة، في الشوارع، في المحال التجارية، وفي المدارس على المقاعد الخالية، وأخيرا وجدت الصور مكانا لها في تمائم وقلائد بإطار أسود تحيط بالأعناق لتكون قلوب الأحباء هي جدارها الأخير التي توضع عليه.  

يقول تيسير نصر الله رئيس مركز يافا للدفاع عن حقوق اللاجئين في المخيم "منذ بدء انتفاضة الأقصى سقط نحو سبعين شهيدا من أبناء المخيم، غالبية الشهداء سقطوا في الإجتياحات المتكررة للمخيم والتي كانت تشهد مواجهات دامية، وجميع الاصابات كانت في الجزء العلوي من الجسد، حيث من الواضح دوما أن الإصابة كانت بهدف القتل".

أما أم أسعد والدة الشهيد أحمد فتقول:" استشهد أحمد في 31/3/2002، في يوم الأرض، أذكر تماما ذلك اليوم، لقد كان مرحا وكثير الضحك، واقترح علي ووالده المشاركة في فعاليات يوم الارض بعد صلاة الجمعة، لقد بذلت كل جهدي لإبقائه في البيت لكنه تناول طعام الغداء على عجل وذهب".

" لقد كان أحمد صغيرا لم يتجاوز الخامسة عشرة من العمر، لم يكن حجره ليقتلهم، ولكنه استفزهم لدرجة جعلتهم يطلقون الرصاص على رأسه ليردوه شهيدا، كل هذا الجبروت والقوة العسكرية ويستفزهم حجر بيد طفل". تقول الأم بحرقة.

وتتابع الأم" مضى أكثر من عامين على استشهاده، لكني ما زلت أشتمّ رائحته في البيت في غرفته وفي سريره الذي أحافظ على ترتيبه كما لو كان هنا، عندما اعتقل أخوه الأكبر "أسعد" منذ فترة لم أجد سوى قميص أحمد الذي استشهد فيه لأحضنه وأبكي الاثنين معا".

تقول الام "أنتظر بفارغ الصبر معجزة تعيد أسعد المهدد بالسجن المؤبد للبيت من جديد فالبيت أصبح موحشا، لم يبق فيه سوى أسامة(6 سنوات) وزوجي المريض بالقلب ".

وبالاضافة الى شهداء المواجهات المرتقبة دوما في المخيم، هناك الاستشهاديون أو قنابل الموت المتحركة التي تقف الحكومة الصهيونية عاجزة حيال ازديادها منذ بدء الانتفاضة، فالمخيم قدّم أحد عشر استشهاديا نفذوا عملياتهم في العمق الصهيوني، إضافة إلى ثمانية آخرين اكتشفوا في اللحظات الأخيرة وعمد جيش الإحتلال الى قتلهم فور اكتشاف أمرهم.

الهام الخلوص والدة الاستشهادي أحمد الخطيب (16 عاما) منفذ عملية كفار سابا في نيسان الماضي تصف ابنها بالقول: "لقد كان أحمد حزينا وهادئا جدا، لقد استشهد أربعة من أقرب أصدقائه وأصيب آخر إصابات شديدة، لقد طلب مني أن أدعو له فقط، وطلب مني الاذن بالذهاب الى المستشفى ليكون قرب صديقه، لكنه لم يعد".

وتقول جدته" كان يواظب على صلاة الفجر معي، كان رقيقا وصغيرا، لم يتخيل أحد أن أحمد سيقدم على هذا الامر".

واعتقل الاخ الاكبر لأحمد "محمد 22 عاما" وهو كان مطاردا منذ نحو عامين.

وأصعب ما تواجهه بعض العائلات هو فقدان اثنين من أبنائها، الأول عبر تنفيذ عملية استشهادية وآخر يتبعه شهيدا بعد فترة قصيرة أثناء المواجهات، كما هو الأمر مع الاخوة إياد وخليل حرب، وعلاء ومراد مرشود، فيما يتم اعتقال عدد آخر من الأخوة خوفا من الانتقام.

وحسب مصادر في المخيم هناك نحو 200 معتقل من أبناء المخيم، يواجه نحو 70 معتقلا منهم أحكاما شديدة تصل إلى عدة مؤبدات.

ولعل أغرب قصص المعتقلين في فلسطين توجد أيضا في مخيم بلاطة، حيث إلتقى المعتقل مقداد الخطيب (39عاما) بابنه محمود (18 عاما) في معتقل مجدو بعد أن تركه جنينا في أحشاء والدته، وتم اعتقال الاب لقتله صهيونيا وحكم بعشرين عاما، بينما اعتقل الابن منذ عام بعد اصابته بالرصاص بحجة مقاومته للاحتلال.

الإرهاب الصهيوني لم يقتصر على البشر ليتخطاهم كما حال كل فلسطين إلى الحجر إذ دمرت قوات الاحتلال 20 منزلا بشكل كامل، ونحو 500 منزل آخر طالها التدمير الجزئي حسب احصائيات لجنة الدفاع عن اللاجئين.

وفي مخيم بلاطة استطاع العالم أن يرى لأول مرة ابتكار جنود الاحتلال في اقتحام منازل المواطنين عبر تفجير الجدران والنفاذ منها للمنازل الاخرى، ملحقين أكبر أضرار ممكنة بممتلكات المواطنين، خوفا من مداهمتها بالطريقة العادية، فهم يقتحمون مخيما كما أطلقوا عليه "حقلا من الاشواك".

ومن أبرز ما يعرفه اهالي المخيم من قصص تدمير المنازل هو عندما جاءت قوات من جيش الاحتلال لهدم منزل الاستشهادي محمد أبو زور المكون من ثلاث طبقات في شتاء العام الماضي، وبعد الانتهاء من تدمير منزل العائلة ردت والدة الاستشهادي على تفجير المنزل الذي هزّ المخيم بزغرودة، وعندما رجع الضابط ليسألها كيف تزغردين وقد هدمنا بيتك واصبحت واولادك التسعة في الشارع أجابته "أنا سعيدة فإبني فجّركم وقتلكم وانتم الآن تفجرون الحجارة قهراً ليس أكثر، وسأبني وزوجي وأولادي منزلا آخر ".

يبقى المخيم كما يريده الآلاف من أبنائه رقما صعبا وشوكة من المستحيل نزعها أو كسرها مهما تعددت الاجتياحات وكثرت الخسائر، فدماء الشهداء والجرحى ووصايا المعتقلين خلف القضبان تعبّد الطريق نحو الحرية، وتلغي كل محاولة للمهادنة أو النسيان.