بريد القراء


ورقة العمر الأخضر 
الى شهداء طائرة كوتونو
 

يكابد ويكافح، يجاهد ويناضل، يعاني ويتألم، هو المهاجر الذي انسلخ عن صدر أم ودفء بيت، وهجر ضيعته وأحباءه.. هو المشبع بطموح واسع، حتى اذا نزل في وطن جديد اقتحم الصعاب وتغلب عليها.

عانوا في غربتهم الكثير من الاحزان والآهات ولوعة الفؤاد ونغص العيش والصبر على الضيم، فالغربة نار الصدر  المتشظية.. أرادوا ان يعودوا الى التربة الحاضنة ليخففوا من هذا الألم ومن وطأة المرارة، وأن يسدوا رمق عزلتهم بلقاء الأحبة لإطفاء النار المشتعلة في أحشائهم، فكانت الكارثة العظيمة وهي تحطم الطائرة في "كوتونو"، العائدة بمن يتحلى بالتوق الجارف للقاء وطنه وأهله.. وكانت المصيبة التي خيّمت على لبنان وأفجعت جميع اللبنانيين بأبنائهم، هؤلاء الأبناء الذين تشبعوا بروح الواجب النبيل واستشعروا روح الأخوة الصادقة، فاندفعوا قلباً واحداً في التعاون الذي ينعش المجتمع ويحفظ الوطن ويؤدي الى مراقي الكمال والعزة والازدهار.. هؤلاء الأبناء الذين يعتمد عليهم الوطن في ساعة العسرة لإشاعة الأمن والسلام.

أسأل: من المسؤول عن الكارثة التي حلت بهم؟ عساي أجد من يجيب بصدق عن هذا السؤال! وأناشد الدولة بأن تنظر بطرف عينها الى مشاكل المجتمع، ومن أهمها مشكلة الهجرة التي تزداد يوماً بعد يوم.. صحيح ان للهجرة نفعاً مادياً ومردوداًَ ثقافياًَ وحضارياً، ولكن في جميع الاحوال هي مشكلة ينبغي التفكير فيها بعمق وروية، هي مشكلة اقتلاع الانسان من أرضه ووطنه. وفي النهاية أتقدم بأحر التعازي الى أهالي ضحايا طائرة كوتونو، وأقول لهم إن الحياة مجرد رحلة، كل يوم يذهب هو ورقة تسقط من شجرة العمر.

ملاك محمد حمدان ـ الخرايب

ــــــــــــــــــ

"مع ذلك هي تدور" 

لما اصطفى الله تعالى نبيه محمداً (ص) وبعثه للعالمين رسولاً وسراجاً منيراً، يهدي للتي هي أقوم معلماً وقائداً شاملاً، لم يك هذا النبي مهندساً أو عالم ذرة أو خبير ادارة او اقتصاد محنكاً، بل كان أمياً يجهل القراءة والكتابة، وكل ما كان يحسنه هذا القائد المعلم وما يتحلى به ويميزه، جملة صفات لا تتصل بتلك الاختصاصات العلمية أو التكنولوجية أو التكنوقراطية، مع عدم التقليل من أهميتها وضرورتها، بل كان محض الاختيار الإلهي معتمداً على رفعة أخلاق النبي وأمانته وسيرته الحميدة، حيث كان صادقاً واسع الصدر برجاحة عقل واتزان وعزيمة في رأي سديد لخير الناس جميعاً. ولقد أكد القرآن ذلك: "وإنك لعلى خلق عظيم". وتماهى خطاب النبي للأمة والعالم مع منطوق الآية آنفة الذكر: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

وهل الاستقامة والنزاهة والرحمة والعدل والصدق والشعور بالمسؤولية وإيتاء كل ذي حق حقه سوى مكارم ومنعكسات أخلاقية نبيلة راقية مسؤولة وواعية، نقلت مجتمع مكة والجزيرة من الرق والعبودية والظلم والقهر الاجتماعي الى حال العدالة والمساواة والحياة الحرة الكريمة للجميع! على هذه القواعد الشفافة الراسخة والمتينة من القيم السامية الانسانية الاخلاقية بُنيت الحضارة الاسلامية وامبراطوريتها التي حكمت ثلاثة أرباع العالم سبعة قرون متصلة غير منفصلة، ونشرت رسالتها الكونية العالمية رسالة عدالة ومساواة وحرية حتى على مستوى المعتقد الديني "لا إكراه في الدين"، فمصلحة المجتمع والوطن فوق كل المصالح الضيقة، وما وصية الامام علي (ع) القائد والخليفة والحاكم لعامله على مصر مالك الاشتر، إلا منهج صافٍ واضح وكافٍ لصنع القائد والسياسي الناجح، ومنهج عمل انساني عالمي كوني لكل زمان ومكان، ولبناء دولة قوية حصينة منيعة متطورة مزدهرة. لكن عندما غابت مكارم الاخلاق واضمحلت القيم الانسانية الوجدانية و"فلت الحبل على غاربه" ورحلت المصلحة التي تسع جميع الناس وفسد الولاة وانحاز أولو الحل والعقد والأمر والنهي واتبعوا طرق المصالح الضيقة، وفقدت العدالة أهلها، لتفقد الدولة هيبتها وثقتها، فسد الناس وصارت هذه الامبراطورية الواحدة العظيمة دويلات وطوائف ومذاهب وعشائر.

نحن بحاجة لمواجهة الحقيقة بصدر رحب وبعقل منفتح وبنية خالصة، ولا يكفي الالتفاف حول الحقائق والدوران حولها ووصفها والثناء على أهلها ومديح الساعين اليها والاشارة اليها من بعيد، خيفة من الاشخاص الفاسدين والعصابات التقليدية الذين يتصدون للحق والعدالة وأهلها بكل ما أوتوا من نفوذ مشبوه ومال قذر .

رحم الله "غاليله" الذي تشبث بالحق والحقيقة وتحدى الموت وهو تحت المقصلة قائلاً ".. ومع ذلك فهي تدور".

حكمت جنيدي ـ سوريا

ــــــــــــــــــ

"رجع الصدى" 
الى ضحايا الغربة
 

عادوا وأسرجوا خيل المنون الى وطن أحبوه..

جمعوا فرحهم على شرفات العيد واحتشدت كل الألوان في عيونهم.. راحت تعرّش في مساكب عطرهم..

انتظرهم الوطن والأهل والأطفال.. كانوا يجمعون القرى من الجنوب الحبيب يحملونها كرم زيتون وعناب وبستان ليمون وعبق تراب ليبقى يسكنهم هناك، ولينشدوه كلما اهتزّت وردة الحنين..

ويشدون الرحال من وطن الغربة الى وطن الوصال، فهم رجع الصدى هناك.. هناك خلف البحار..

أيها المهاجرون من غربة أوطانكم، قوموا وارفعوا عنكم ثقل النوم، وامسحوا عن أمهاتكم هذا الحزن الدامع، فقد تناثرت قلوبهن على شرفات الانتظار..

انتظرن طويلاً، وكان الخبر، وكان البحر، وكان الكفن مساحة حزن الوطن..

عودوا من المطارات البعيدة، أينما كنتم في البحر، فأنتم شراع الوطن ووشاح الحزن..

عودوا.. جمعنا لكم كل زهور اللقاء، وهاج التراب لموعد المبيت، هي طائرة الموت حملتكم الى كل القلوب المنتظرة..

يا دمعتنا، يا أنين الشجر والمطر والزهر، يا توهج الشمس، يا حزن القمر، يا بكاء النهر، يا دمعة السحر..

عودوا فقد انكسر القلب عندما أدرك الحزن قلوب الأمهات.. والآباء..

قومي أيتها الجثامين، هذا عبق الجنوب يتناثر حزناً وهو يرشح عليك..

قومي وأخبري الأمهات كيف اجتاحك الشوق للحظة اللقاء.. من قال إنكم ترحلون والأمهات منتظرات، من كان تنتظره الأم لا يموت أبداً، يظل ينبض قلبه من تحت التراب..

أماه، أنا عائد من المطارات البعيدة، عائد أماه، عائد الى الوطن، لا تغلقي النوافذ، فهذا البحر يحملني الى شرفات قلبك.

عماد عواضة

ــــــــــــــــــ

نحن والتاريخ 

ليس المقصود من تعلم التاريخ معرفة ما كانه الماضي، انما المقصود استخراج الدروس والعبر من هذا الماضي، كي تجعل الحكومات العربية غاية التاريخ تعليم العرب ما ينبغي لهم عمله لتأمين مستقبل أفضل، وأن تسهر على وضع تاريخ شامل تحتل فيه المسألة القومية المقام الأول.. او غني عن القول ان ضعف الارادة والإحجام والتهرب من المسؤولية مبعثه سوء التربية وفساد الأسس التي قامت عليها، وإننا لنلمس هذه العيوب في الذين تصدوا لقيادة الأمة، حكاماً وعسكريين وأحزاباً. على الحكومات العربية ان تولي المسألة القومية من هذه الناحية عناية خاصة، واضعة نصب عينيها تحرير الشعب العربي من عوامل الضعف التي كانت أحد الأسباب المباشرة لانهيار الأمة العربية.

على الحكومات العربية ان تغير الأسلوب الحالي في تعليم التاريخ، فالتلميذ لا يعرف من الأحداث سوى تاريخ حصولها ومكانه وأسماء أبطالها، وقد كان جهلنا للتاريخ ولا يزال الباعث على إخفاق سياستنا الخارجية، لأنه لا ينتظر من رجل دولة يجهل الخطوط الكبرى للتاريخ ان ينجح في معالجة القضايا الدولية. أما أعضاء البرلمان المفروض فيهم ان يكونوا صفوة المتعلمين، فإنهم يخبطون خبط عشواء كلما استشهدوا بالأحداث التاريخية، ويندر ان يقوم بينهم خطيب ذو إلمام بهذه الشؤون.

لقد درج المؤرخون على ابراز بطولة الملوك والمشاهير من القادة العسكريين، وقلما توقف مؤرخ عند بطولة الشعب، وهذا النقص يجب ان تسده الحكومات العربية في عصر يتحسس الشعب قضاياه ويدرك أهمية دوره في بناء الدولة والحفاظ على الحضارة. كما يجب ان يتيح نظام التعليم الجديد للحكومات العمل على تنمية العزة القومية.

فالتاريخ الشامل وتاريخ الحضارة يجب ان يتجها هذا الاتجاه، فالمؤرخ في الأمة العربية  لن يقدم المخترع كرجلٍ عظيم، إلا لأنه يمثل شعبه وعليه أن يسلط أضواءً كافية على نوابغ شعبنا لتمتلئ صدور المواطنين بالفخر والاعتزاز، حتى اذا غادروا معاهد التعليم عملوا لوطنهم كمواطنين يريدون ان يضيفوا الى أمجاد الماضي أمجاداً خارقة.

علي حكمت جواد