رحلة في دهاليز الأفلام التسجيلية
مطرقة لتشكيل المجتمع


الكتابة عن الأفلام التسجيلية دونها الكثير من المحاذير، فالدخول الى هذا العالم المغلق يستلزم طرق أبواب ومجهوداً لوجستياً، فهذا النوع من الأفلام لا تجده في محال أشرطة الفيديو المعروفة، وإذا سألت في نوادي السينما فستجد بعض العناوين، وإذا تابعت مهرجاناً متخصصاً فأنت تواكب جانباً من النتاج، في حين أن الأفلام التسجيلية تنمو بشكل عمودي يأخذ في بعض الأحيان الشكل النخبوي برغم أن المادة المقدمة هي أقرب ما يكون الى الناس ويومياتهم ودهاليز حياتهم النابضة في الظل.

 

يقول جون غريرسون الأب الروحي للسينما التسجيلية في العالم: "إن الفيلم التسجيلي هو معالجة الأحداث الواقعية الجارية بأسلوب الخلق الفني... وإذا كانت السينما كالمرآة تعكس حياة المجتمع في حركة وديناميكية، فإن هذا ليس كافياً، لأنني أريد أن استخدمها كمطرقة لتشكيل المجتمع".

من كلام غريرسون ننطلق للقول بأن الأفلام التسجيلية أكبر من طرف محايد، يبتغي الغوص في جرح أو أفراح المجتمع، بل هي أيضاً فن رفيع يسعى الى التوعية والنهوض بالذوق العام، مع المحافظة على أصول صناعة السينما، لا بل تفوق من بعض الجوانب الأفلام الروائية الطويلة، ذلك أن الأفلام التسجيلية لا تبتغي الربح في الغالب، فهي ممولة من قبل أصحابها أو عبر رعاية مؤسسات ثقافية، وأكثرها ممول من دول أو منظمات أوروبية، وعليه لا يلهث صنّاع هذه الأفلام لإرضاء الجماهير وأذواقهم كما يقتضي منطق السوق.

مع ذلك تواجه الأفلام التسجيلية العديد من المشاكل، منها ما هو مادي، حيث صعوبة إيجاد الجهات الممولة، ومنها ما هو إعلامي، حيث انكفاء وسائل الإعلام المرئية والمكتوبة والمسموعة، عن تغطية ومتابعة ونقذ هذا النوع من الأفلام، بحجة أنها مادة غير جماهيرية.

ومن مشاكل الأفلام التسجيلية، المقدرة على إيجاد الموضوع المناسب وحُسن تلخيصه في دقائق معدودة، في توليفة يغلب عليها الخطاب البصري، وفي وصف بليغ للناقد السينمائي المصري مصطفى عبد الوهاب، يشير الى أن الفيلم الطويل والرواية كالنهر الذي يبحر فيه المبدع طولاً وعرضاً وعمقاً، بينما الفيلم التسجيلي والقصة القصيرة يكونان أشبه بالبئر التي يحفرها المبدع رأسياً وفي العمق.

 

في مصر

1907 هو تاريخ بزوغ أول فيلم مصري قصير من النوع الاخباري، وتلته محاولات متقطعة وخجولة، إنما مبررة في حركتها، فالفيلم التسجيلي أخذ وقته في العالم عموماً وفي الوطن العربي خصوصاً لإثبات وجوده.

بين عامي 1947 و1998 ظهر في مصر أكثر من 160 فيلماً تسجيلياً، وهو رقم ضئيل نسبة الى نصف قرن في دولة تعتمد على صناعة السينما في اقتصادها منذ سنة 1913.

ومن رواد هذا النوع من السينما نذكر محمد بيومي رائدها الأول، وسعد نديم وصلاح التهامي وعبد القادر التلمساني وهاشم النحاس وعطيات الابنودي، ولا ننسى أولئك الذين جمعوا بين العمل في السينما الروائية والتسجيلية مثل داوود عبد السيد وخيري بشارة وعلي عبد الخالق.

الجدير ذكره أن مصر تنظم منذ سبع سنوات مهرجاناً للأفلام التسجيلية والقصيرة، تحت اسم مهرجان الإسماعيلية.

 

لبنان

بين 1929 و1952 لم ينتج في لبنان سوى ثمانية أفلام تسجيلية كان أولها "مغامرات إلياس مبروك" للرائد الإيطالي الأصل جوردانو بيروتي.

في العام 1958 بدأت العجلة بالإسراع مع مجموعة من الأسماء المجتهدة مثل الرائد جورج نصر صاحب فيلم ".. الى أين؟" والمنفذ سنة 1958.

في العام 1975 أخرجت جوسلين صعب بالاشتراك مع المخرج السوري يورغ ستوكلن أول الأفلام التسجيلية المطلة على الحرب اللبنانية، فاستعملت في "لبنان في الدوامة" خلفيتها الصحفية لتقدم عملاً أشبه بالريبورتاج، رصدت من خلاله الثنائية في المشهد اللبناني قبل الحرب وبعدها.

في العام نفسه أخرجت صعب "رسم شخصي لمرتزق فرنسي"، ثم كان عملها "بيروت لم تعد" الذي يشكل بداية مرحلة جديدة لتجربتها، ثم واصلت مسيرتها في مواكبة الحرب والغزو الصهيوني فكان "جنوب لبنان ـ قصة قرية محاصرة" و"أطفال الحرب" و"بيروت مدينتي" و"الجولان".

 

مارون بغدادي

بدأ بغدادي من السينما الروائية مع "بيروت يا بيروت"، ثم "اجتاح" عالم السينما التسجيلية ابتداءً من "كفركلا" ثم "بيروت المدمرة" و"الجنوب ذو المأساة".

بتكليف من الحكومة اللبنانية قام بغدادي بإخراج الفيلم التسجيلي "تسعون" عن الأديب ميخائيل نعيمة، وقد وفق فيه من كل النواحي وتحديداً الجانب البصري الهادئ.

بعد "حروب صغيرة" و"الرجل المحجب" الفيلمين الروائيين عاد بغدادي الى السينما التسجيلية في "لبنان، بلد العسل والبخور" و"بطء في الريح" و"خارج الحياة".

لقد حقق مارون بغدادي حضوراً عالمياً من خلال أفلامه التي حصدت جوائز عدة، إلا أن المنيّة حالت دون أفلام أخرى حيث كان "فيلمه" الأخير في 10 ـ 12 ـ 1993 حين سقط ليلاً في غرفة المصعد أثناء زيارته لوالدته.

 

برهان علوية

عُرف برهان علوية من خلال فيلمه "كفر قاسم" 1974 الذي نال عنه عدداً من الجوائز منها جائزة وكالة التعاون الثقافي التقني بباريس.

ولد علوية في الجنوب اللبناني وتابع دراسته في بلجيكا وكان "ملصق ضد ملصق" عمله الأول عام 1972.

بعدها قام برهان علوية بالاشتراك مع المخرج التونسي لطفي ثابت بتقديم فيلم مستوحى من كتاب حسن فتحي المهندس المصري الذي كرّس جل دراسته واجتهاداته لبناء مساكن للفقراء.

 

رندة الشهال

"أفضل أسلوب العسكر"، هي العبارة التي اختارتها رندة الشهال لوصف طريقتها الصارمة في العمل، كما كانت صارمة حينما رفضت عروضاً للقيام بإخراج أفلام فرنسية مفضلة العمل في أفلام عربية، فكانت عدة أفلام تسجيلية تدور في فلك الحرب اللبنانية دون أن تدخل في موجة الأفلام النضالية التي ظهرت بكثرة آنذاك.

البداية كانت مع "خطوة.. خطوة" فلفتت الأنظار بأسلوبها ورؤيتها من خلال ساعة وعشرين دقيقة هو وقت الفيلم التسجيلي الطويل، ثم كرت السبحة فكان "لبنان أيام زمان" و"لبنان إرادة حياة" و"التاسعة والنصف" و"الأرض البور" وصولاً الى "طائرة الورق" الذي يقدم قصة متخيلة مستشفة من تحقيق تلفزيوني عن الجولان والزواج بين الجانبين المحتل والمحرر، فكانت حركة العبور بين الجانبين نقطة مفصلية في سياق العمل.

عرفت أفلام الشهال طريقها الى الجوائز الكبرى، وقد رفضت إحداها لأنها كانت مناصفة مع مخرج إسرائيلي.

"لبنان... لماذا؟" واحد من الأفلام الأولى التي واكبت الحرب في لبنان وكان من توقيع المخرج اللبناني المولود في النيجر جورج شمشوم الذي كانت له تجربة عمل في فرنسا ولندن.

أما جان شمعون المولود في سرعين ـ البقاع اللبناني سنة 1944، فقد ابتدأ مع "تل الزعتر" بالاشتراك مع مصطفى أبو علي، ثم "أنشودة الأحرار"، انتسب شمعون الى "معهد الفنون الجميلة" في الجامعة اللبنانية إثر افتتاحه سنة 1966، ليصبح من الجيل الأول الذي درس في المسرح في لبنان.

لقد سعى جان شمعون الى الانخراط في المقاومة على طريقته فكانت كاميراته خير معبّر عن حال أبناء الجنوب اللبناني الذي يصفه "برمز محاربة العدو الإسرائيلي"، ويعتبر شمعون أن المحور "يدور في هذه المنطقة الجغرافية التي تتجاور فيها مشكلتان: مشكلة الجنوبي الذي يهجّر من أرضه، ومشكلة الفلسطيني المهجّر أصلاً. والمشكلتان من فعل عدو واحد، هو إسرائيل".

بعد زواجه الحياتي والفني مع المخرجة الفلسطينية مي المصري كان "تحت الانقاض" الثمرة الأولى، وهو مواكبة وقراءة في الاجتياح الإسرائيلي ومخلفاته بأسلوب يتجاوز الآنية نحو طريقة فنية راقية من التوثيق.

 

"زهرة القندول"

مع "زهرة القندول" حصد شمعون والمصري الكثير من الجوائز العالمية، وهو محطة هامة في تجربتها.

يجسد الفيلم تفاصيل هامة من حياة المرأة في الجنوب اللبناني ضمن خليط من الزوايا التراثية والثقافية المتجذرة في منطقة الجنوب، كما يتطرق الفيلم في خطابه الرئيسي لقضية مقاومة المرأة ودورها في الصراع مع العدو الإسرائيلي.

أما طيف المدينة فهو أول فيلم روائي لجان شمعون تناول فيه مشهديات وخلفيات الحرب اللبنانية.

 

راغدة سكاف

بالإضافة الى الأسماء المخضرمة برزت في لبنان أسماء شابة تحمل رؤية لا تقل جدية عما ظهر فترة الحرب، فكانت تجربة راغدة سكاف كطير يغرد داخل السرب إنما بلحن آخر، ففي "صورة مش من ورق" اختارت عنوانين في غاية الأهمية: قصف الطائرات الإسرائيلية لسيارة إسعاف في بلدة المنصوري الجنوبية وتصوير الصحافية نجلاء أبو جهجه للجريمة، ما شكل وثيقة إدانة للصهاينة في المحافل ووسائل الإعلام العالمية.

والعنوان الثاني كان الجدلية التي شكلت محوراً للكثير من النقاشات ألا وهو الأولوية عند الصحفي بين واجب التصوير ونقل الخبر وضرورة المساهمة في عملية الانقاذ.

 

عجرم عجرم

هو واحد من المخرجين الشباب الذين لم يأخذو حقهم في التجربة، ففيلم "عبدو" الذي قدمه ينبئ بمخرج يحمل الكثير من الرؤى والأسئلة والحس الفني.

لقد تم اختيار نص فيلم "عبدو" بين عدة نصوص طُرحت على محترف "شمس" ففاز وبدأ العمل بإنتاج فرنسي.

يحكي فيلم "عبدو" قصة شاب تم اختطافه إبان الحرب اللبنانية ثم تتوالى الحكايات التي تصف الحادث مع عرض لشهادات الأهل.

 

مي المصري

من فلسطين تألقت أسماء عدة في مجال سينما الأفلام التسجيلية منهم مصطفى أبو علي الذي اخرج الكثير  من الأفلام المواكبة لحركة الفلسطينيين في الشتات من "تل الزعتر" بالاشتراك مع المخرج جان شمعون الى "ليس لهم وجود" مروراً بـ"بالروح بالدم" وعدوان صهيوني، وقد نالت أعماله جوائز عدة.

ومن فلسطين لا بد من وقفة مع مي المصري المولودة لأب فلسطيني وأم أميركية، وكانت ولادتها في عمان ـ الأردن 1959.

تنتمي سينما مي المصري من الناحية الشكلية الى "السينما التسجيلية"، إلا أنها ترفض هذه التسمية، فهي لا تسجل واقعاً بل تعيد اكتشافه وإنتاجه من جديد برؤية فنية خاصة بها: "ما أقوم به يمكن أن يكون بين التسجيلي والروائي، أو ربما يفتش عن خط ثالث، لكل شخص أحقية التعبير باللغة التي يحب، المهم أن يقدم سينما في النهاية".

 في "أطفال من جبل النار" و"حنان عشراوي ـ امرأة في زمن التحدي" قدمت المصري مشهديات من الداخل الفلسطيني بعد ان استطاعت دخول الأراضي المحتلة بجنسيتها الأميركية وكان ذلك في العام 1989.

أما "أطفال شاتيلا" فكان دخولاً في عالم أطفال المخيم وهواجسهم ودرجة وعيهم، والأطفال أيضاً كانوا أبطال "أحلام المنفى" الذي جمع أطفال المخيمين شاتيلا والدهيشة من خلال الانترنت الى أن كان اللقاء الواقعي على الحدود اللبنانية الفلسطينية برغم الأسلاك الشائكة الفاصلة.

عبد الحليم حمود