|
|
|
يختزن الحج كفريضة معاني سامية في الزلفى والقربى والعلاقة مع الله تعالى، فهو وفادة اليه وحلول بين يديه وإقامة في عرصاته ونزول في محل كرامته، وحقيق على الله ان يكرم الزائر والوافد، وأن ينزل شآبيب عطفه ورحمته على المتفرغين لعبادته عند عتباته، المهاجرين اليه، المخلفين وراءهم الأهل والأحبة والديار شوقاً الى لقائه في البقاع التي تدل عليه وتُنسب اليه، وطمعاً في غفرانه بعد تراكم الخطايا والذنوب على الظهور، لعله تعالى بجميل نعمائه وجزيل عطائه يمن على عباده بحط الذنوب وغفرانها وقبول الأعمال وجبرانها. وقد أعطى الإمام الخميني (قده) أبعاداً اضافية للحج مع الحفاظ على الأبعاد المعنوية العبادية الأساسية ومن دون المساس بها، وهذه الأبعاد المضافة اعتبرها الإمام (قده) من حق هذه الفريضة ومن صميم مناسكها، وعبر عنها بالأبعاد السياسية والاجتماعية للحج.. ومما قاله الإمام الخميني (قده) في هذا الصدد: "هذا البيت شيّد للناس، لأجل نهضة الناس، ولأجل منافع الناس، وأي نفع أعظم وأعلى من جعل أيادي جبابرة العالم وظلمته مكفوفة عن تسلطها على الدول المظلومة! إنه نداء الاستنهاض للأمة الاسلامية التي يفد أبناؤها الى بيت الله العتيق ليشهدوا منافع لهم.. ما هي هذه المنافع؟! هل هي مجرد التلبية لدعوة التقرب الى الله، أم أن هناك منافع أخرى في حياتهم تتمثل في الحياة الكريمة التي وهبها الله عباده، فأمرهم بالحفاظ عليها حتى لو أدى ذلك لأن يموت البعض ليحيا الآخرون بكرامة! فمن المنافع السياسية للحج ان ينهض المستضعفون والمقهورون من أجل كف أيدي الظالمين والطغاة، وفي ذلك دعوة الى التعبئة والاستنهاض والقيام. ألم يجعل الله تعالى بيته مثابة للناس وأمناً؟ ألم يجعل الله تعالى ذلك البيت وتلك الشعائر قياماً للناس، يتنشقون في أرجائها أنسام الحرية والقيم الانسانية بعد اعلان البراءة من المشركين والتوجه الى واحدٍ عزيز جبار، هذه البراءة التي تمثل مقدمة فعلية لصحة الانتماء الى دين التوحيد ولصحة الاعتقاد بالوحدانية؟ ألم يجعل الله سبحانه الكفر بالطاغوت مقدمة للايمان بالله وشرطاً لصحة هذا الايمان؟ وكذلك الحج يستبطن معنى البراءة التي يحملها أذان تلك المواقف الشريفة.. "ان الله بريء من المشركين". ومن كان من أهل الله وأتباعه وعباده الحقيقيين لا بد من أن يؤذن ذلك الأذان ويصدح بذلك الموقف، معلناً براءة وتوبة وتجنباً وابتعاداً عن المشركين والطاغوت. من هنا قال الإمام الخميني (قده): "ان اعلان البراءة من المشركين يُعتبر من الأركان التوحيدية والواجبات السياسية للحج، فحاشا أن يتحقق إخلاص الموحدين في الحج بغير إظهار السخط على المشركين والمنافقين". ومن الابعاد الاجتماعية لهذا التجمع الإلهي العظيم تلك الدعوة الصريحة الى الوحدة والتآزر والتكافل والتضامن بين المسلمين، فالمعبود واحد، والشعائر واحدة، والبيت واحد، واللباس واحد، كلها أمور تشير عملياً الى انفتاح قلوب المسلمين والمؤمنين بعضهم على بعض، ليكونوا أمة واحدة كما أرادها الله، أمة تدين بدين واحد، وبقرآن واحد، وتؤمن بنبي واحد.. أمة تواجه معاً مصيرها والتحديات التي تواجهها، لا تتفرق فتنهزم ولا تتخاصم فيذهب ريحها. وقد تحدث الإمام الخميني (قده) عن هذا البعد قائلاً: "ان إحدى الفلسفات الاجتماعية لهذا التجمع العظيم من جميع أنحاء العالم، هو توثيق عرى الوحدة بين أتباع نبي الاسلام، أتباع القرآن الكريم، في مقابل طواغيت العالم. وإذا ـ لا سمح الله ـ أوجد بعض الحجاج من خلال أعمالهم خللاً في هذه الوحدة أدت الى التفرقة، فذلك سيوجب سخط رسول الله وعذاب القادر الجبار". أجل إنه اجتماع لا مثيل له ولا يتكرر الأمر في العام، وعلى المسلمين ان يفيدوا منه في تمتين الأواصر، وفي التصدي لما يحاك ضدهم، وفي مساندة المستضعفين منهم. وإن هذا المشهد وحده كافٍ في اشعار الطواغيت بالخوف على مصائرهم، فكيف لو تجسد هذا المشهد في سلوك توحيدي بين أفراد وجماعات هذه الأمة. بلال نعيم |