|
|
غزة- صالح المصري
لحظات الوداع الاخير كانت حميمة بين أم وقطعتين من جسدها
وكبدها أودعتهما في البيت وودّعتهما بقبلات ونظرات، وداعاً تعرف أنه الاخير،
لكنّ الطفلين لا يعرفان ذلك فردّا بابتسامات بريئة قبل أن تسرع في الخروج من
البيت القريب من شاطئ البحر نحو هدفها المحدد والمرصود سلفاً من قبل كتائب
القسام وكتائب شهداء الأقصى. وقد عُلم انه تم تزويد ريم بعكازين وحزام، هي كل ما يلزم لتنفيذ العملية، وشقّت ريم طريقها نحو المنطقة الصناعية بيت حانون "ايريز"، وعندما نزلت من السيارة توكأت على العكازين ودخلت في طابور من المواطنين الذين ينتظرون الحصول على اذن بالدخول بعد اجراءات معقدة والكترونية من التفتيش. وبحسب المعلومات التي تبينت لاحقاً من شهود عيان كانوا قريبين جداً من ريم ساعة وقوع الانفجار فإن الجنود أمروا ريم بالدخول عبر البوابة ثلاث مرات للتأكد من صحة الانذار الذي اطلقته آلة التفتيش الالكترونية في كل مرة. عندها قالت لهم ريم إن في قدمها جهازاً معدنياً يساعدها على المشي هو السبب في صفارة الانذار فقرر الجنود نقلها إلى غرفة مجاورة لتفتيشها عبر مجندة صهيونية. وخلال فترة الانتظار كان الجنود يتوافدون لمعرفة ما الذي يجري وعندما جاءت المجندة وأصبحت على بعد عشرة أمتار من ريم فجّرت الأخيرة الحزام الناسف الذي كان هو السبب الحقيقي لصوت صفارة الانذار فوقع كل من وجد بالمكان من الجنود الصهاينة بين قتلى وجرحى وبقيت المجنّدة حيّة لتروي تفاصيل القصة.
وبقدر الاعتراف الصهيوني الصريح بالقدر الكبير من التخفي الذي
كان السبب الرئيس في نجاح العملية، فإن القدر ذاته من المفاجأة تحقق لدى ذوي
ريم وكل من يعرفها، ولعل ذلك هو الذي كان وراء حالة الصدمة التي سادت الاهل
والاقارب بعيد انتشار الخبر وما تلاه من حالة اللغط حول اقامة بيت التبريك
وغيرها من الأمور التي ما لبثت ان اتضحت بشكل جلي وواضح. ومما زاد من وقع
المفأجاة أن حياة ريم حتى اللحظة الاخيرة لم تتغير ولم يلاحظ عليها اضطراب أو
حتى تقصير في أي واجب من واجباتها كأم وكزوجة، بل على العكس فقد ازداد تفانيها
في التضحية إزاء علاقتها بزوجها وخدمته وخدمة اطفالها، ربما لكونها تعرف أن
ساعة اللقاء قد اقتربت كما عبر عن ذلك زوجها في كلمات قليلة تحدث بها عقب
العملية "انها نعم الزوجة ونعم الام ولا أجد ما أقوله أكثر من ذلك. لقد صبرت
وضحت معي ولم تغضبني يوماً وكانت تهتم بأولادي اكبر اهتمام". وقد بقيت حالة الذهول والمفاجأة على وجوه الزوج والاهل برغم اعتزازهم بما قامت به ابنتهم حتى بعد انقضاء أيام التبريك الثلاثة، وما زالوا يرفضون التعاون مع الصحافيين، واذا تحدثوا فبكلمات قليلة. وبغض النظر عن التفاصيل الأخرى للعملية فقد شكلت واحدة من أكثر العمليات الاستشهادية نوعية في قطاع غزة باعتبارها الاولى التي تنفذها فتاة تكون أماً في الوقت ذاته، وتنتهي بهذا النجاح الذي أدى الى قتل أربعة جنود صهاينة، وإصابة اكثر من عشرة اخرين دون أن تقع اصابات في صفوف العمال الفلسطينيين في واحدة من أكثر المناطق اكتظاظاً بالعمال، وفي واحد من أكثر المواقع الصهيونية العسكرية تحصيناً في القطاع. |