|
|||
|
في ظل حالة نزعت عن الموسيقى مفهومها الحقيقي الراقي لتجعلها مبتذلة خالية من أي معنى أو هدف، ولتبعد الناس عن القضايا التي يجب أن تشكّل محور اهتماماتهم، كان لا بد من تصويب المسار وتوجيه الأنظار نحو سلاح جديد من نوعه يهدف الى "ضرب العقول" بنغمات راقية ومفاهيم سامية تخدم الحركة الجهادية التي هي مشروع جهاد واستشهاد في سبيل الحرية.. كان لا بد من أوركسترا رسمية لحزب الله هي أوركسترا "شمس الحرية" التي عرفت كيفية استخدام الموسيقى بمفهومها وكنهها الحقيقي، لتعبِّر من خلالها عن الأفكار الإيمانية والعقيدية والجهادية بلغة تحاكي النفوس والعقول معاً، لتوجهها نحو كل ما يصب في خدمة المجتمع الإسلامي ومسيرة "حزب الله".
الهيكلية جاءت الانطلاقة في تموز/ يوليو 2003 لتشكل نمطاً غير مألوف للحالة الموسيقية في المجتمع الإسلامي والعربي، ضمن أهداف تتعدى مجرد تجميع الكلمات والجمل الموسيقية، الى تطويع لغة الموسيقى الراقية من أجل إيصال أفكار ثورية وعقيدية ـ كالاستشهاد والمقاومة والجهاد ـ الى الناس، وجعلها تترسّخ في أذهانهم بكلمات أقل وجمل موسيقية أكثر. وبرغم صعوبة تحقيق هذا الأمر في ظل مجتمع يميل الى الجملة المباشرة المبسطة، إلا أن "شمس الحرية" تعمل ضمن خطة بعيدة الأمد تهدف الى تقليل الكلام شيئاً فشيئاً من دون فرض التغيير الفجائي، لجعل الموسيقى اللغة الأساسية، نظراً لكونها من أعمق أساليب التعبير وأشدها تأثيراً لدى الناس. هي كغيرها من الأوركسترات العالمية التي تصنّف نفسها الى خمس عائلات هي: الوتريات، النفخيات الخشبية، النفخيات النحاسية، الإيقاعات وعائلة المنشدين أو الكورال. وهنا يكمن الاختلاف بينها وبين فرق الإنشاد التقليدية، إذ إن هذه الأخيرة تجتمع فيها الآلات لتعزف مقطوعة موسيقية واحدة، بينما تنفرد كل آلة في الأوركسترا بدور مخصص لها يعطي العمل الموسيقي طابعاً خاصاً وفريداً من نوعه، كما تؤثر كل واحدة بطريقة متفاوتة عن الأخرى نظراً لطبيعة الأصوات المختلفة التي تصدر عنها. فهناك آلات من شأنها نقل التوتر والترقب الى الناس، وأخرى من شأنها تهدئتهم، وأخرى تبعث على الحزن والكآبة. ونظراً للكمّ الهائل من الآلات الموسيقية التي تحتويها أوركسترا "شمس الحرية" ـ يقول مديرها محمد كوثراني ـ فإنه لا بد من عازفين ومنشدين لتقديم العمل على أكمل وجه. لذلك فإنه فقد استُعين بنحو مئة من العازفين والمنشدين الذين توافر فيهم شرطان أساسيان: الأول الالتزام الديني، والثاني أكاديمي يقضي بأن يكون العازف أو المنشد ملمّاً بالموسيقى، من دون أن يكون ضليعاً فيها، إذ إن الأوركسترا في كثير من الأحيان تستعين بموهوبين لا يملكون من الخبرة شيئاً، فتعمل على صقل مواهبهم من خلال التمرينات ضمن برنامج أكاديمي، يعلمون من خلاله تقنيات الصوت والنوتات والآلات ليصبحوا مؤهلين فيما بعد لمعرفة أرقى أنواع العزف. وفي معرض الحديث عن العازفين والمنشدين لا بدّ من التوقف عند الدور الكبير الذي يقوم به قائد الأوركسترا لجهة ضبط العملية الموسيقية التي تحتاج الى كثير من الخبرة والدقة، إذ إن "المايسترو" الذي قد يبدو دوره بالنسبة الى البعض مبهماً، يعمل على تصويب مسار كل عازف اذا أخطأ، وعلى جعل العمل موحداً ومتكاملاً. وعمل الأوركسترا لا يقتصر على عازفين ومنشدين و"مايسترو"، بل يحتاج الى فريق وراء الكواليس من جهاز فني ولوجيستي، يعمل بجد لتقديم العمل بعيداً عن الوقوع في الأخطاء والثغرات.
أنواع الموسيقى "شمس الحرية" تحاكي الأعمال الموسيقية التي تعزفها الأنماط العالمية التي بدأت مع مونتغروي عام 1604، والتي وضعت في بداياتها من أجل الرقص فقط، ثم تطورت لتتنوع بين "تونشيرتو" حيث تعزف آلة واحدة وترافقها آلات أخرى، وموسيقى الكنائس التي تجسد قصة و"آلام" النبي عيسى (ع)، لتصل الموسيقى الى أرقى أنواعها مع "السمفونية" التي تجسّد أكبر عمل قد تصل إليه أوركسترا، والتي تتطلب جهوزية عالية لدى كل فرد منها لتأدية الدور المنوط به على أكمل وجه. ويقول كوثراني: إن الأوركسترا لم تهدف الى تقليد كل تلك الأنماط، بل كانت بالنسبة اليها مجرد قوالب تعمل ضمنها من أجل تحقيق هدفها الذي تتميز به عن غيرها من الأوركسترات العالمية والمحلية، نظراً لطبيعة الموضوعات التي تجسدها الموسيقى. فلو بُحث في المكتبات الموسيقية كافة لما وجد أحد تكلم عن الشهادة في موسيقاه كما فعلت "شمس الحرية"، بحسب ما يفيد مديرها الحاج محمد كوثراني. أما لجهة شرعية الموسيقى التي تعزفها، فإن الأمر مضبوط الى حدّ كبير كما يؤكد كوثراني. فعلى الرغم من عزفها واستغلالها شتى أنواع الموسيقى لخدمة أهدافها الإيمانية والعقيدية، فإنها تعمل على تقديم كل ما هو شرعي وملائم من دون أن يؤثر ذلك على قوة المعنى والرسالة التي تودّ إيصالها.
التمويل تتميز أوركسترا "شمس الحرية" عن غيرها من الفرق العادية بكونها تحتوي العديد من الآلات وتضم الكثير من العازفين. وغني عن القول ما لهذه الأمور من أكلاف مادية يقوم القسم الإعلامي لحزب الله في منطقة بيروت بسدِّ جزء منها، الى جانب عائدات الإصدارات وريع الاحتفالات التي تقوم بها. تضاف الى ذلك روحية عالية يتميز بها أعضاء الفرقة الذين هم بغالبيتهم من المتطوعين الذين يتعبون ويجهدون من دون أي مقابل أو أجر مادي.
جديد الأوركسترا برغم تقديمها عدة أعمال ومشاركتها في بعض المناسبات المركزية، فإن أوركسترا "شمس الحرية" لم تقدم عملاً خاصاً بها حتى الآن.. كوثراني يؤكد أن الفرقة بصدد التحضير لإطلاق عمليها الأساسيين في الفترة المقبلة، اللذين يتمثلان أولاً بـ"سمفونية التحرير" التي تروي المسيرة الجهادية الكاملة للمقاومة الإسلامية منذ إعلان الشيخ راغب حرب: "الموقف سلاح"، الى قول السيد عباس الموسوي: "اقتلونا فإن شعبنا سيعي أكثر فأكثر".. الى شروق شمس الحرية في 25 أيار. وثانياً "كونشيرتو الجدار" الذي يتحدث موسيقياً عن جدار الفصل العنصري الذي يبدو للملأ مجرد حائط من الأسمنت، بينما يجسد مفهوماً أعمق يهدف الى إقامة شرخ وفصل بين أبناء الوطن الواحد. العملان اللذان سيُطلقان في احتفال خاص يضم بعض النقاد لتقويمهما، هو بمثابة تأسيس لعمل "الأوركسترا" المستقبلي الذي تطمح من خلاله الى إيصال رسالاتها، ليس فقط الى جمهور حزب الله، بل أيضاً الى الجمهور العربي والعالمي لترسيخ أفكار جهادية وثورية، ربما عجزت عن ترسيخها الكلمات والخطابات. ميساء شديد |