|
||||||
|
تكاثرت عندنا أعداد المدارس والمعاهد، والأكاديميات ازدادت كماً، وراوحت مكانها نوعاً، في النوعية يمكننا الحديث عن أنهار من حاملي الشهادات تتدفق في مجاري الحياة المتشعبة، من دون أن يكون لشهاداتهم أثر يذكر في مسلكهم الحياتي، فمداركهم التي اتسعت في المجالات التخصصية لم تتجاوز ذلك الى بناء هوية ثقافية ومزاج عام يمزج الثقافي بالتربوي في عملية الإصلاح المتوخاة. كان واحدهم يكرس زهرة عمره للدراسة والتحصيل ويسهر الليالي الطويلة من أجل تجاوز الامتحانات النهائية التي ربما لم يستعملها في حياته العملية ولو لمرة واحدة، ـ خصوصاً الأمهات ـ وكان بالنفس ضنيناً بساعة من الوقت يختلي بها بكتاب لقراءة الموضوعات والقضايا الاجتماعية التي يتماس معها وتظل ترافقه طيلة الحياة. يجد الكلام الآنف مسوّغه من تفاقم المشكلات في الفضاء الاجتماعي المخنوق والمزدحم بأسئلة تتكسر فوق أسئلة. فكم هي حالات الطلاق غير المبررة التي تحدث يومياً بسبب عدم وجود أية ثقافة عن الحياة الزوجية في أوساطنا اللهم إلا رطانات اجتماعية وأمثولات شعبية يورثها الآباء للأبناء، ألا يحتاج مثلاً الشبان الذين يقضون سنوات على مقاعد الدراسة الى دورات تثقيفية، في شؤون الزواج وتربية الأبناء التي أدى غيابها الى تشوّهات حقيقية في سلوك الأبناء نتيجة عدم إيلاء طرائق التربية الصحيحة الأهمية الكافية. انطلاقاً من هذه الهواجس التي تمور في ساحتنا الاجتماعية يقدم لنا سماحة العلامة الشيخ نعيم قاسم نتاجه الكتابي في سلسلة "الحقوق" والهادفة الى تأسيس وبلورة اتجاه ثقافي اجتماعي يحاور النظريات التربوية الحديثة من دون أن يغادر مرجعياته الإسلامية الأصلية.
التجربة الأولى بعد إصداره سلسلة الحقوق التي وصل عددها الى .... يستتبع الشيخ قاسم مشروعه الثقافي الاجتماعي في ما يبدو وكأنه مرحلة أو حلقة ثانية من حلقات المشروع عبر سلسلة المحاضرات التي يقيمها التي يلقيها في قاعة الجنان بدعوة من جمعية التعليم الديني ضمن دورة حول تربية الأبناء لمدة خمسة أسابيع. تأتي هذه الدورة كتصعيد أسلوبي يتوسل وسائل توضيحية لإيصال الفكرة الى الآباء والأمهات الذين حضروا بكثافة وكان في حضورهم الكثيف ما يؤكد وعي الحاجة عند الأهل لما يقوّم علاقتهم بأبنائهم وفعالية الدورة في معالجتها لأسئلتهم وإشكالياتهم. كما لا يخفى ما لأسلوب المحاضر السلس ولغته المباشرة والمتقشفة البعيدة عن الألغاز والمعميات من دور في استقطاب هذا الحضور الكثيف من الآباء والأمهات.. لقد قام الشيخ قاسم بتحويل النص الديني الكلاسيكي القديم الذي ينتمي في تاريخيته الى زمن آخر، الى مادة تربوية تجيب عن أسئلة العصر، وهذا ليس أمراً سهلاً، فمزج القديم بالتكنولوجيا، والمؤثرات البصرية الحديثة فيه الكثير من السحر، كونه يتيح للجمهور التعرف الى العناوين العريضة التي تندرج تحتها تصرفات أبنائهم بسهولة ويسر.
تطبيقات عملية في معالجته للفروق الفطرية بين الصبي والبنت وكمثال على ما سبق كان الشيخ قاسم يتحدث عن مفاتيح الفروقات بين الصبي والبنت لمعرفة كيفية التعاطي مع كل منهما، وبمنطق الأطفال لا منطق الكبار، وفيما هو يتحدث أضاءت الشاشة خلفه حاملة الشكل التالي:
فروق فطرية بين الصبي والبنت
هذه الوسائل التوضيحية ليست جديدة لكن جدتها تكمن في استخدامها وتوظيفها من أجل تحليل وتفسير النص الكلاسيكي القديم. وفي ختام المحاضرة يشرع الشيخ قاسم في الرد على أسئلة الحضور في مناخٍ توجيهي بعيد عن الوصفات الجاهزة والمعلبة. ينبغي التشديد على أهمية هذه المحاضرات التربوية التخصصية ذات النزوع الإسلامي التي يحتاج إليها الناس أكثر من المحاضرات الغائمة والسابحة في فضاءات العمومية النافية للتحديد والتخصيص وبالتالي الإفادة العملية، ويبقى الأمل في نقل هذه التجربة في ساحة الدورة الى ساحات الوعظ والإرشاد وما يندرج تحت عنوان المحاضرة الدينية مع جرعات زائدة أكثر من المادة الدينية على مستوى الأمثولة والقصة وآيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول والأئمة عليهم السلام، هذا ما تحتاج إليه ساحتنا التي استهلك فيها الكثير من العناوين العامة والشعارات المكرورة التي يختلط بعضها ببعض في غياب للمنهجية والتراتبية في تناول الموضوعات. يبقى أن خطوة الشيخ نعيم قاسم في "دورة تربية الأبناء" ستكون يتيمة إن لم تكملها دورات تثقيفية في الشؤون الاجتماعية، كالزواج ورعاية الحقوق الأخرى. حسن نعيم |